كيف  جئت إلى الكتابة ؟

166

كيف  جئت إلى الكتابة ؟

الأكيد أنه كانت لي رغبة في الكتابة والكتابة بالذات وإلا لما صرت كاتبا ؟ .

 ولو لم تكن لي هذه الرغبة لكانت لي حتما رغبات   فنية أخرى !.

فلم اخترت أن أعبّر باللغة العربيّة دون الفرنسيّة مثلا التي كنت أحسنها ؟ .

الأكيد أن هنالك مجموعة من العوامل ساهمت في تحقيق ما تحقَّقَ. ولعل أهمها ذاتيّ صرف.

كنت طفلا يميل إلى الصمت والهدوء ، ولا يشارك أصدقاءه اللعب في الغالب وكان ينتابني أحيانا حزن داخلي، لا أعرف مأتاه ، واستمر الأمر معي حتى الشباب

 كما كنت أشعر بالوحدة ولو كنت أساكن العالم

فقدت والدي وأنا لم أتجاوز بعد الستة أشهر .ثم كان الريف وطبيعة مجتمعاتنا التي لا تبيح للأطفال أن يعبروا عن ذواتهم .

 فهل كانت الكتابة من هذا المنطلق تعويضا عن الكلام وردةَ فعل ضدّ الصمت ؟

أم هي رغبة في أن أتميز عن أولئك الذين لا تكون اللغة إلا مشافهة.

ثم ألا يكون المكتوب هو أساس الأدب لأنه باق بفضل التدوين ،أما لغةُ  المشافهة فهي نفعيّةٌ

أي أداة تواصل بالأساس.

ثم كانتْ هناك أيضا عواملُ خارجية أخرى فاعلة في نفسي  ومساهمة في نحت شخصيتي الأدبيّة.

منها أولا المدرسة وكتاب القراءة والنصوص التي تأتي في قالب قصص أو حكايات واللغة الجميلة التي كتبت بها هذه النصوص والكُتّابُ المرموقون الذين اخْتِيرَتْ نصوصهم لتكوَّن كتاب النصوص .ففي هذه النصوص كانت اللغة راقية والواقع قريبا من النفس يجعلك تتفاعل معه وتعايشه ومساحات الخيال شاسعة

وقد مثّل لي كتابُ القراءة كتابَ مطالعةٍ متنوع القصص وعالما ثريا بالأحاسيس.

 ففي مدرستنا الريفية لم تكن لنا مكتبة وكان كتاب القراءة يقوم بدور كتب المكتبة بفضل ما يحتويه من نصوص متنوّعة ،ممتعة.

وكم روينا منه حكايات للأهل والإخوة الصغار ومتعنا بها السامعين .

ثم كان معلمي الجنوبي من مدينة توزر ولهجته الجنوبيّة التي لم نتعود على سماعها ولباسه التقليدي

جبته البيضاء وشاشيته الحمراء وبلغته الصحراوية وبياض بشرته وضحكته على الدوام وحسن أخلاقه وتواصله معنا

 كنا نقلد طريقته في القراءة مستحسنين نغمته وطريقة نطقه الكلمات وانسياب أنغامها.

وكنت من الذين  يقطعون مسافةَ ستةِ كيلومترات ذهابا وإيابا  وكتاب  القراءة بيدي مفتوح  أطالع منه ما يغري من نصوص .

وكانت لي قدرة كبيرة على الحفظ .

أحفظ تقريبا كل النصوص التي أقرؤها عربيّة كانت أم فرنسيّة وأوظفها في مواضيعِ الإنشاء

حتى صارت  مواضيعي هي لغة غيري أو لغةَ هؤلاء الكتاب ؟.

وهكذا برزت فكنت  أتحصّل على أرفع العلامات في هذه المادة .ويكتب  تحريري على السبورة لينقله زملائي التلاميذ على كراساتهم

ثم تواصل نفس الشغف والبروز في مادتي اللغة العربية والفرنسية في التعليم الثانوي مع دخول

مادة الفلسفة والتفكير الإسلامي وبرامج اللغة العربية في شعبة الآداب.

فكان أن نضجت اللغة وسلمت أسلوبا وتعبيرا وامتزجت بروح الفكر العربي والإنساني.

 في الجامعة درست شعبة الحقوق لمدة سنتين ثم انتدبت معلما فدرست سنة تربص في مدرسة الحكيم كسار  بالحفصية وعدت بعدها إلى ريف  تالة بالقصرين .

في الريف لا تصلنا الجرائد ولا المجلات بانتظام وكنا نرسل في طلبها من المدينة وفي أحيان كثيرة لا نجدها إذا تجاوز الوقت منتصف النهار.

أمام بعض هذه الانكسارات التي حصلت لي ، فقد كنت أطمح أن أتخرج محاميا أو قاضيا أو صحفيا وكنت أحب الصحافة ولا أدري لماذا ولكنني وجدت نفسي أدرِّسُ الصغار  في ريف ناء من أرياف تالة ، أزامل معلمين يقضون أغلب وقتهم في لعب الورق  وأنا لا أحسن لعب الورق ولا أستسيغه

وتجنبا للسآمة ذهبت إلى المدينة واشتريت مجموعة كبيرة من الكتب : روايات وقصصا وأقبلت على مطالعتها بلهفة قتلا للوقت وخروجا من الروتين وبحثا عن مساحات من الخيال والـتأمل ،خارج واقع الريف الجاف القاحل الصعب خاصة في سنوات الجدب

وهكذا كنت كالإناء الذي يفيض حين تملؤه، وجدت نفسي مدفوعا إلى الكتابة والتدرب عليها يوميا لكثرة ما قرأت وما اصطخب بذهني من أفكار

وذات ليلة في غياب زوجتي وجدت نفسي وحيدا فأصابني الأرِق. شعرت برغبة في الكتابة فكتبت نصا قصيرا بعنوان: ولادة عسيرة تعرضت فيه إلى مقارنة لطيفة بين ولادة النص وولادة الطفل.

 فقلت فيما معناه يولد النص مشوها سطحيا بلا معنى عميق إذا ما استسهل الكاتب إخراجه إلى الناس.  ويولد الطفل مشوَّها أو ناقصا ويكون مصيره الموت إذا لم يستكمل مدة نمُوه في رحم الأم .

وأرسلت به إلى جريدة الأنوار فنشر في  نفس الأسبوع  وتلك كانت بادرة خير لي .

وشجعتني على مواصلة الكتابة.

للحقيقة لم أكن مدركا في أول الأمر للأشكال الفنية التي أكتب نصوصي من خلالها إذ لم أكن عارفا بخصائص القصة القصيرة أو الخاطرة أو النص مطلقا

ولكني كنت أعبر بلغة جميلة لا غير . وحين انتقلت إلى مدينة القصرين سنة 88 وجدت مجموعة من المربين الأصدقاء  فيهم من يكتب الشعر وفيهم من يكتب القصّة تعارفنا فكونا ناديا أدبيا بدار الشباب بالقصرين ثم بالمركب الثقافي بالقصرين .

ومن ذلك الحين بدأت أعي الأشكال الفنية الأدبية انطلاقا مما كان يقدم من محاضرات وما أطلعت عليه من كتب مراجع في هذا الفن  .

وتركز الأمر أكثر حين قدمت إلى العاصمة سنة 1991 وانتميت إلى نادي القصّة.

وأخير ا قد تتساءلون لماذا يكتب الإنسان ؟

أكتب لأعبر عن ذاتي أوّلا . أكتب لأحيي . أكتب لأن الكتابة توفر لي مساحة من الحلم وتمكنني

من أن أتجاوز واقعي وأشكل واقعا آخر أشتهيه وأتخيله، لا يكون صورة لواقعنا المادي.

 وفي هذا نوع من الخلق الأدبي وتجاوز لحتمية الواقع. وأبحث دائما عن الكلمة الجميلة و العبارة التي لم  تستعمل .والفكرة  التي لم تستهلك

هدفي كان أن أكون شخصية أدبية خاصة،  مختلفة عن الآخرين  .أي أن أكون أنا نفسي  وليس  غيري .

 لذلك كل الأعمال الأدبية التي قرأتها حاولت أن أتنساها، أثناء الكتابة حتى أكتب شيئا مبتكرا. والواقع السياسي العربي والتونسي مؤثر في نفسي وفكري إلى درجة كبيرة .

وكم كنت سعيدا بالكتابة لأني استطعت أن  أتطرق من خلالها إلى مواضيع  حارقة ، تمنعها الرقابة ، لكن الأدب وما أدراك ما الأدب  ، بفضل ما  يوفره من أساليب فنية تأخذ بالرمز والمجاز والإيحاء العميق مكنني من  تجاوز  عينِ الرقيب وطرق كلِّ المواضيع التي تقلقني  .

 بقلم الكاتب عمر السعيدي

 

 لمتابعة المزيد من الابداعات الثقافية زر موقع ثقافتنا

التعليقات مغلقة.

consequat. Praesent sit Praesent elementum felis accumsan ipsum felis commodo