” الإرهاب و استعصاء المفهوم”لعلي العبيدي

151

 ” الإرهاب و استعصاء المفهوم”لعلي العبيدي

 ” الإرهاب و استعصاء المفهوم” هو الاصدار الجديد للكاتب علي العبيدي لسنة 2018 نشر

 دار المنتدى للنشر بتونس 

ينتمي الى فئة الكتب السياسية تحت فرع قانون يبلغ عدد صفحاته 264 صفحة 

و قد اختار الكاتب أن يقدم مؤلفه بقلمه على النحو التالي

الكاتب علي العبيدي

حاولنا في هذا العمل الصادر عن دار المنتدى للنشر في 264 صفحة الإجابة على السؤال المركب التالي: هل يمثل الإرهاب مفهوما بالمعنى العلمي؟ و هل يشكل، في غياب تعريف موضوعي

و حاسم، جريمة مستقلة وفق مقاييس القانون الدولي؟

عرضنا في المقدمة لبعض المسائل المنهجية من قبيل:

– لماذا يجب علينا الوصول إلى تعريف متفق عليه للإرهاب؟

– ما هي انعكاسات عدم تعريف “الإرهاب”؟

– العوائق المرتبطة بمفهوم الإرهاب

– الإرهاب و العنف

– هل للإرهاب تاريخ؟

و عملنا في الباب الأول (“الإرهاب” و سؤال المفهوم ) على بيان أن “الإرهاب” لا يشكل مفهوما بالمعنى العلمي و على أن التحول السيميائي الذي شهدته كلمة ” إرهاب” كان راديكاليا.

لذلك عرضنا للأفكار التالية:

طرحنا في القسم الأول سؤالا حول ما إذا كان“الإرهاب” مفهوما علميا؟

و قد أوضحنا أن “الإرهاب” لا يشكل مفهما نظريا و إن كان، كظاهرة، قابلا للدراسة العلمية.

انه موضوع علمي لا يمكن صياغته مفهوميا. ذلك أن المفهوم يفترض أن يحصل اعتراف و اتفاق بين أشخاص من مختلف أصقاع العالم، بان ما نسميه “إرهابا” هو كذلك حقا.

إلا أن العالم مازال ابعد ما يكون على هذه القناعة و الفهم المشتركين.

و اشرنا إلى الإشكاليات التي أثارها توظيف هذا المصطلح في حقول معرفية مختلفة.

فالإرهاب في أحسن الحالات ليس أكثر من حكم قيمة و يصبح ذا دلالات نسبية و متغيرة و حتى سوقية و تختلف معانيه حسب المصلحة.

فالإرهاب لا يستجيب للمعايير العلمية للمفهوم النظري. فبالإضافة إلى شحنته العاطفية و الأخلاقوية القوية (قابليته للتوظيف) التي تؤثر على الحياد الاكسيولوجي للباحث، فان صياغته تصطدم على الأقل بعائقين آخرين: الطابع المتنافر و المشتت للظواهر التي يتم تصنيفها تحت عبارة “إرهاب”

و الرهانات الرمزية و السياسية المرتبطة باستخدام هذه العبارة، و تتعلق بالصراعات المستحكمة حول الشرعية و تشويه مواقف الخصوم  و هو ما يؤدي إلى استحالة التوافق حول معنى المفهوم

 

و دلالته.

لذا اتجه علم السياسة كما العلوم الاجتماعية للتركيز لا على “الإرهاب” (كظاهرة) و لا على فعل “الإرهاب” في حد ذاته بل على من يستخدم “الإرهاب” أي على الخطاب (الإعلامي و السياسي ) حول الإرهاب و هو ما يفترض حكما أخلاقيا بالضرورة. لذلك قال “ديدييه بيقو” : “لا يوجد إرهاب” بمعنى انه يصعب صياغته مفهوميا.

كما تطرقنا في إطار نفس الباب الأول من هذا العمل للتحول السيميائي الراديكالي الذي عرفته عبارة “إرهاب” و عرضنا:

1الأصل السيميائي:

تأسيسا على أن اللغة ليست تعبيرا محايدا ذلك أن القاموس ليس وصفيا فقط، و لكنة بالأساس قانون، تؤكد معاني الكلمات الجانب الذي تميل إليه كفة السيطرة.. فمن يملك السلطة و السيطرة يملك لا شك حق صياغة و تسويغ معاني الكلمات.

تشير كلمة ” إرهاب” في الأصل – كما تشكلت من خلال القواميس- إلى حكومة الرعب في فرنسا

( افريل 1793- جويلية 1794 ). و وسعت نفس تلك القواميس ذلك المعنى ليشمل كل منهج للحكم مؤسس على الرعب ما يؤكد العلاقة بين الإرهاب و الدولة: الإرهاب نشا مع الدولة و مارسته الدولة (من خلال السلطة المشرعة للقوانين أو بدونها) للمحافظة على كيانها.

و عليه يكون الإرهاب أداة مؤسسية تتميز بخاصيتين: تمارس بواسطة الدولة (أو أجهزتها)

و تستهدف الجميع دون تمييز غالبا. لكن هذا المعنى سيتم قبره من خلال القواميس الأوروبية

و إعادة تشكيله في الخطاب الغربي حول “الإرهاب”.

2التحول الراديكالي ( سومييه) أو انقلاب المنظور (فرانك فيشباخ):

–  رغم محافظته على أصل التسمية ( أي استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية)، لم يعد الإرهاب يعني نظاما للرعب أو إرهاب دولة (كما في أصله السيميائي)، إنما صار يعني، مع نهاية لقرن التاسع عشر، منهجا للصراع السياسي يقوم على أعمال عنف و ترويع (كالاغتيالات و التفجيرات) تعتمده  جماعات ثورية أو فوضوية من اليمين و اليسار.. انه استعارة تدين أولئك الذين يجرؤون على معارضة احتكار الدولة للعنف. انه إستراتيجية عنف موجهة أساسا ضد الدولة عن طريق الاغتيالات و التفجيرات، تهدف إلى خلق مناخ من الرعب.

– لماذا نصف هذا التحول بالراديكالي؟ لأنه أسس لإخراج إرهاب الدولة من القاموس اللغوي كصنف و أحاله إلى مجرد وضعية تاريخية خاصة ( إلى خارج التاريخ)، و استحدث بدله صنفا آخر هو “إرهاب” الأفراد و الجماعات الذي تجسد، ابتداء، مع ظهور الحركتين العدمية

و الفوضوية. لذلك تحدث بعضهم عن إرهاب سيميائي.

– و اشرنا إلى النتائج الخطيرة لهذا التحول السيميائي:

أولا –  الاتجاه لتشويه و شيطنة كل مناهضة أو احتجاج للنظام القائم دون تمييز: و هذا يعني اتجاها لاستبعاد التفكير في أي تسمية ممكنة أخرى لها علاقة بوضعيات أو فترات تاريخية أخرى (ثورة، مقاومة، معارضة)

ثانيا: الشحنة القوية المقترنة بتهمة الإرهاب اليوم  يصعب معها كل نقد خشية تصنيف الباحث

أو المراقب و حتى الناشط السياسي أو الحقوقي إلى جانب الموسومين حقا أو باطلا بالإرهاب

ثالثا: أصبح ينظر لإرهاب الأفراد و الجماعات باعتباره ” جسما شاذا أو آفة يجب استئصاله مهما كان الثمن و ليس مجرد موضوع بلاغي. ذلك أن الممسكين بمفردات لإيديولوجية المهيمنة تريد إيهامنا أن السؤال عن تعريف “الإرهاب” لا معنى له و لا جدوى منه.

و من ثم تم تبييض الدولة (مالكة الحق الشرعي في استعمال العنف) من الإرهاب، و إسقاط أية علاقة سببية بين إرهاب الدولة و “إرهاب” الأفراد، و تحميل “الرعاع” (أفرادا و مجموعات)

كل الشرور التي يمكن نعتها ب”الإرهاب”.

 تفسير هذا التحول: الم يكن هذا التطور ممكنا في اتجاه التوازن و الشمولية، سيميائيا و بالتالي سياسيا و قانونيا، أي  في اتجاه إدانة كلا من إرهاب الدولة (المعنى الأصلي) و إرهاب الإفراد (المعنى المستحدث) و في اتجاه مقاربة شاملة و متوازنة “للإرهاب” مفهوما و بالتالي مصطلحا؟ 

لم يكن ذلك ممكنا على المستوى النظري لأنه أسس لإخراج إرهاب الدولة من القاموس اللغوي كصنف و أحاله إلى مجرد وضعية تاريخية خاصة ( إلى خارج التاريخ)، و استحدث بدله صنفا آخر هو “إرهاب” الأفراد و الجماعات/ إرهاب الضعفاء/ الإرهاب- الفرع.

كان مصطلح إرهاب و مازال محل جدل و ظل متسما بكونه وظيفيا و لا تاريخيا و متحيزا.

و تحول الإرهاب” من ظاهرة معقدة لها سياقاتها إلى مجرد خطاب حول “الإرهاب”.

لذلك خير اتجاه مهم من البحث تجاوز هذه الإشكالية النظرية و الركون إلى تأليف غير علمي بين معنى “الإرهاب” في الحس الجماعي أو في المخيال الشعبي (الغربي) (((شكل من أشكال العنف يستهدف مدنيين أبرياء غالبا بواسطة هجمات تفجيرية لشل و إخضاع كل الأعضاء الآخرين للمجتمع أو الجماعة المستهدفة)) و بين معناه في الخطاب الرسمي الغربي ((الآخر المختلف)).

و عليه تستخدم كلمة ” إرهاب” علميا، كموضوع أو كجسد، و ليس كمفهوم قابل للدحض أو القبول.

نظريا إذن ( فكريا و فلسفيا): يعكس هذا التحول جذور إقصاء الآخر و الآخر المختلف في الفكر الغربي.

و لم يكن ذلك ممكنا على المستويات التاريخية و السياسية و الإستراتيجية:

– تاريخيا و سياسيا: لم يغب إرهاب الدولة عمليا في التاريخ الأوروبي منذ عهد الرعب

(أثناء الثورة الفرنسية) تصورا و ممارسة سواء كان ذلك في إطار الدولة القومية

(جذور العنصرية و إقصاء الغيرية القريبة مذهبيا و دينيا و اجتماعيا و كذا أنظمة الفاشية و النازية

و الستالينية) أو في إطار علاقة الأنا الغربية المتمركزة على ذاتها بالآخر المختلف (الامبريالية و الاستعمار و الاحتلال  و الهيمنة و دعم الاستبداد)..

– استراتيجيا: مواكبة حركة التوسع الغربي و الاستعمار الأوروبي (متعدد الأبعاد) للدول

و الشعوب “الهمجية” و “البربرية” (و ما لحقها من تطورات دولية).

يمكن القول إن ما اصطلح على تسميته “بالإرهاب” كما تطور في التصور و الممارسة الغربيتين يتسم بالأبعاد التالية:

1 – البعد العاطفي: تشكو هذه الكلمة من ضعف مفهومي كبير لأنها ليست مفهوما بل مجرد انطباع أو حكم قيمة. إنها آلية إدانة و اتهام للآخر المختلف (من الاغيار القريبين أو البعيدين) في أحسن الأحوال و ليست أداة للفهم و التفسير.

2 – البعد الاخلاقوي التواصلي: و يعني ذلك تحويل “الإرهاب” إلى طبيعة جوهرانية تتعلق بما يحدث في الضفة الأخرى، كما بالآخر المغاير أو المختلف و ليس بالأنا المتمركزة على ذاتها و لا بما ترتكبه من أفعال في الداخل و الخارج. و يتحول “الإرهاب” – إذن- إلى  خطاب الأنا الاخلاقوي، إلى خطاب منتج ليس للكراهية فقط بل لتبرير إقصاء الآخر و شرعنة انتهاك كل القواعد و الأصول في التعامل معه، من خلال تبيض الأنا و تطهيرها و إسقاط كل الشرور التي ارتكبتها،

و مازالت، على الآخر

3 – البعد السياسي و الاستراتيجي: مثل هذه الكلمات تعكس رهانات سياسية كبرى  و رهانات إستراتيجية اكبر.

و إذا كان “الإرهاب” لا يشكل مفهوما بالمعنى العلمي، فهل يمثل جريمة مستقلة من منظور القانون و القانون الدولي؟ هل يمكننا المدخل القانوني من الحسم في مسالة تعريف الإرهاب؟

و انطلاقا من هذه القناعة، و ضمن الباب الثاني  الذي وسمناه ب”الإرهاب الدولي و المدخل القانوني” استخدمنا المقاربة القانونية الشائعة لنتبين أنها – على أهميتها- لا تمكننا من الإلمام ” بالإرهاب” و الإرهاب الدولي و الحرب عليه (مفهوما و مقاربة) رغم ما بذلته دول و مؤسسات

و هيئات و خبراء في العالم للاقتراب منه، خاصة في ظل الثنائية القطبية .

و قد مكننا تتبع المدارس الفقهية و التشريعات الوطنية و الاتفاقيات الدولية و الإقليمية و كذا إسهامات المنظمات الدولية (و خاصة جهازي الجمعية العامة و مجلس الأمن) من التحقق من أن الإرهاب”، إذا كان يشكل جريمة دولية، فانه لا يمثل جريمة مستقلة وفق مقاييس و قواعد القانون الدولي العام

و المبادئ العامة التي أقرتها الأمم المتحدة بمعناها الوارد في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. كما  أن المقاربات القطاعية للإرهاب و للأعمال الإرهابية – مضافا إليها غياب تعريف منضبط للإرهاب – لا تمكن من تحقيق الأهداف المسطرة في استراتيجيات الحرب على “الإرهاب”.

و انتهينا إلى إن المقاربة القانونية – على أهميتها – لا تمكن من الحسم في تعريف ” الإرهاب” لأسباب عديدة و من بينها أنها لا تطرح سؤال الأسباب الكامنة وراء”الإرهاب” كما توحي بذلك

كل الآليات الدولية لمكافحة “الإرهاب”.  لذلك نقول إن الخيار التشريعي ضروري و سهل لكنه

لا يحل المسالة.

يجب الحسم بوضوح و حيادية في “مفهوم الإرهاب” و التصدي للأسباب العميقة ل”للإرهاب”، لأنه بغير ذلك سنعيد إنتاج الماسي الإنسانية و الانتهاكات الحقوقية و التكاليف المادية التي قادت إليها المقاربات الانفرادية للحرب على “الإرهاب”، و سنسهم في تعزيز ارتهان مبادئ الشرعية و العدل لإرادة فرسان الحرب المسعورة على “الإرهاب” من القوى الإمبراطورية و كيان الاحتلال

و عساكر الاستبداد الوظيفي و مشايخه.

التعليقات مغلقة.

Phasellus ut porta. ipsum Praesent felis elementum